ابن البيطار

56

الدرة البهية في منافع أبدان الإنسانية ( تحفة ابن البيطار في العلاج بالأعشاب والنباتات )

وقد يكون ذلك السبب ، بزيادة خلط من الأخلاط مفرط بطبيعته التي تتولد منها ، فتقهر ضدها وتغلب باقي الطبائع ، فيقع عكس الاعتدال بالقهر والغلبة ، فيفسد المزاج الطبيعي ؛ ولا تثبت الروح في الجسد حينئذ ؛ لأنه لا ثبات لها ، ولا قوام لجسدها إلا باستقامة الطبائع الأربع على الاعتدال في المزاج الطبيعي ، فيكون ذلك سببا للهلاك . والأصل في ذلك : أن تعلم أن أصل الحياة الحرارة الأصلية ، ولا عمل لها إلا بالرطوبة الأصلية ؛ إذ هما طبيعتا الحياة في كل شئ فإذا قوى خلط الصفراء بزيادة حرارة ويبوسة عرضيتين فنيت الرطوبة الأصلية ، التي لا عمل للحرارة الغريزية إلا بها ، فيكون سببا للعطب والهلاك ويقع الموت لا محالة . وإذا قوى خلط الدم بزيادة حرارة ورطوبة عرضيتين استولت الرطوبة العرضية على الرطوبة الأصلية ، واستغرقتها فيظهر البرد ؛ لكونه أصل الرطوبة ، فإذا قوى تحللت الحرارة الغريزية وانطفأت ؛ ووقع الموت . فإذا قوى خلط البلغم بزيادة برودة ورطوبة عرضيتين تحللت الحرارة الغريزية ؛ لقوة البرد وانطفأت ووقع الموت . وإذا قوى خلط السوداء بزيادة برودة ويبوسة عرضيتين ، قويت طبيعة الموت ، وانقهرت طبيعة الحياة ووقع الموت بإذن اللّه . فهذا أصل سبب الموت بزيادة خلط مفرط بقوة طبيعته على سائر الطبائع ، ولهذا السبب تكون بداءة الأمراض جميعها في سائر الأمزجة جميعها ، ولذلك علامات وأدوية نذكرها هاهنا فيكون ذلك أصلا لسائر الطب .